ابن عبد الحكم
35
فتوح مصر والمغرب
الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا ، وخليجا شرقيّا من موضع كذا إلى موضع كذا ، وخليجا غربيّا من موضع كذا إلى موضع كذا ؛ فوضع يوسف العمّال ، فحفر خليج المنهى ( من أعلى أشمون « 1 » ) إلى اللاهون ، وأمر البنّائين أن يحفروا اللاهون ، وحفر خليج الفيّوم وهو الخليج الشرقي ، وحفر خليجا بقرية يقال لها تنهمت من قرى الفيوم ، وهو الخليج الغربىّ . فخرج ماؤها من الخليج الشرقىّ فصبّ في النيل ، وخرج من الخليج الغربىّ فصبّ في صحراء تنهمت إلى الغرب فلم يبق في الجوبة ماء . ثم أدخلها الفعلة ، فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء وأخرجه منها ، وكان ذلك ابتداء جرى النيل ، وقد صارت الجوبة أرضا ريفيّة بّريّة « 2 » وارتفع ماء النيل ، فدخل في رأس المنهى ، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون فقطعه إلى الفيوم ، فدخل خليجها فسقاها ، فصارت لجّة من النيل . فخرج إليها الملك ووزراءه ، وكان هذا كلّه في سبعين يوما . فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه أولئك : هذا عمل ألف يوم فسمّيت الفيوم ، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر * ) . قال : « ( * » وقد سمعت في استخراج الفيوم وجها غير هذا . حدثنا يحيى بن خالد العدوىّ ، عن ابن لهعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن يوسف النّبيّ - عليه السلام - ملك مصر وهو ابن ثلاثين سنة ، فأقام يدبّر أمرها أربعين سنة ، فقال أهل مصر : قد كبر يوسف واختلف رأيه ، فعزلوه وقالوا : اختر لنفسك من الموات أرضا نقطعكها لنفسك وتصلحها ، ونعلم رأيك فيها . فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك في زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك ، فاعترض البرّيّة في نواحي مصر فاختار موضع الفيوم فأعطيها ، فشقّ إليها خليج المنهى من النيل حتى أدخله الفيوم كلّها ، وفرغ من حفر ذلك كلّه في سنة « * ) » . وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحي ، وقوى على ذلك بكثرة الفعلة والأعوان فنظروا فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلّها مثلا ولا نظيرا ، فقالوا : ما كان يوسف قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم ، فردّوا إليه الملك ، فأقام ستّين
--> ( 1 ) ساقط من طبعة عامر . ( 2 ) ج « تربة » . ( * - * ) قارن بالمقريزى : الخطط ج 1 ص 245 - 246 .